الصفحة الأولى تاريخ نشاطات ثقافية خدمات إقتصاديات المنتديات

 

ودحامد:  لمحة تاريخية

نظرة للتركيبة السكانية – التحولات 

  إذا نظرنا للتركيبة السكانية لودحامد قبل خمسين عاما وقارناها بحاضرنا لاصبنا الذهول ، ليس فقط للزيادة المضطردة وانما دخول عناصر سكانية جديدة على الخارطة الديموغرافية لم تكن موجودة نتيجة لعوامل عديدة سنقوم بمناقشتها .

    كما هو معلوم فان العنصر الغالب في المنطقة بأكملها ينتمي للجعليين والشايقية وبعض العناصر الاخرى وتتكون ودحامد بمعناها الواسع من قرى الحواويت ، الشيخ العباس ، ودحامد ، الجزر النيلية في نقزو وامجركي ، القلعات وود الحبشي .وسنتحدث هنا عن ودحامد القريشاب في قرى ودحامد والجزر والقلعات  وستتم معالجة قرى الشيخ العباس والحواويت كل على حده لاحقا لحين اكتمال المادة الخاصة بكل قرية .

 وفي ودحامد فرع من فروع قبيلة الجعليين وهو " القريشاب " . وهم سكان القرى التي تكون ودحامد بمعناها الواسع لتضم جزر نقزو وامجركي وقرى القلعات وودالحبشي بالاضافة لودحامد الام . وقد وجد القريشاب تاريخيا في منطقة ودحامد منذ فترة طويلة ربما بضع مئات من السنين وغير مدون بالضبط متى قدموا لودحامد والراجح انهم كغيرهم من فروع الجعليين قد قدموا من مركز القبيلة في فترة مبكرة بحثا عن مأوى اوسع  .

  استقر القريشاب في قرى صغيرة في بادئ الأمر متاخمة تماما للنيل – السواقي و الدريرة وودالحبشي بالإضافة للجزر التي ذكرناها – حيث كان مركزهم في الدريرة وهي أراضى زراعية على النيل قرب ود الحبشي مازالت تحمل نفس الاسم وقرية ودالحبشي القديمة التي كانت المركز السياسي والاقتصادي لكونها السوق الريفي الوحيد ومقر الإدارة الأهلية ( النظارة )  في ذلك الزمن البعيد . وكانت بعض البيوتات تسكن في أراضيها الزراعية . لكن لعدة أسباب لعل من أهمها الفيضان الموسوم في عام 1946م الذي اجبر السكان على النيل للنزوح إلى الأراضي المرتفعة الواقعة غرب الاراضي الزراعية ( الكرو ) وكان آن قامت القرى المعروفة في وودحامد والقلعات بينما ظلت الجزر في نقزو وامجركي وودالحبشي القديمة كما هي تحارب الفيضانات عاما بعد عام آلي بداية الثمانينات حيث نزح معظم سكان ودالحبشي القديمة ( التحت ) آلي ودالحبشي الجديدة ( الفوق ) .

 وكما ذكرنا فإن القريشاب هم السكان الاصليين لودحامد وقراها وعددهم ربما يربو عن بضعة آلاف ولا توجد إحصائية موثوقة يمكن الاستناد عليها وقد ثبت آن هنالك بيوت باكملها قد هاجرت آلي الجزيرة والصعيد في اواخر القرن التاسع عشر نسبة للظروف السياسية السيئة في أواخر عهد المهدية والتي عرفت بسنة الكسرة أو كسرة محمود( بفتح الكاف وتسكين السين )  إشارة إلي انكسار جيوش محمود ود احمد في عطبرة وانسحابهم جنوبا نحو امدرمان والتي تزامنت مع مجاعة عام 1306هـ الشهيرة .

   لكن رغم ما تقدم ذكره فان هناك عدة تحولات ديموغرافية حدثت في النصف الثاني من القرن المنصرم أدت آلي إضافة بعض العناصر السكانية الجديدة أو الوافدة سواء كان بصفة دائمة أو مؤقتة وسنقوم بإيجازها كل على حدة .

 

1-     الهجرات البدوية :-

     في منتصف القرن الماضي بدأت تظهر بعض الظواهر الجغرافية متمثلة في موجات الجفاف المتتالية التي ضربت أجزاء واسعة من بوادي السودان الشمالي مما اثر سلبا على حياة البدو الذين كانوا يعيشون في البادية واجبروا في فترات من العام للنزوح شرقا باتجاه النيل بقطعانهم والتي فقدوا منها أجزاء كبيرة بالطبع ولم يكن لهم أي اتصال مباشر ومتواصل مع القرى النيلية إلا نادرا . واثر بعضهم الاستقرار في فترات الجفاف على النيل للعمل في الزراعة والرعي كأجراء بينما كان بعضهم ممن فقدوا قطعانهم أيضا يأخذون قطعان من أهل النيل آلي البادية في فترات الخريف مقابل اجر مادي . وشيئا فشيئا استمرأ بعضهم حياة النيل وألفوها واجبر البعض الآخر للاستقرار والعمل في مهن مختلفة بالأجر اليومي أو أي مقابل مادي آخر وسكنوا في حزام من القرى الصغيرة المتناثرة غرب ودحامد وقراها وغالبيتهم من قبيلة الهواوير مع وجود جيوب صغيرة من القريات والحسانية . لكن نتيجة للزحف العمراني المضطرد في العقود الأخيرة أصبحت قراهم متاخمة تماما لقرى ودحامد وربما داخلها في بعض الاحيان وازدادت أعدادهم مع إقبالهم الكبير على حياة الاستقرار وانتشار القيم الحضرية بينهم فاصبحوا يرتادون المدارس ويعملون بالتجارة بصورة واضحة وانقطعت صلة الكثيرين منهم بحياة البداوة تماما واصبحوا عنصرا أساسيا من سكان ودحامد .

2-     الهجرات الموسمية والمؤقتة :

تندرج تحتها طائفتين وهما العمال الموسميين وموظفي الدوائر الحكومية .

  في حالة العمال الموسميين ونقصد بهم العناصر الوافدة من غرب وجنوب السودان للعمل في الزراعة و قطاع البناء والتجارة . ولعل قدوم العمال الموسميين ارتبط أيضا بالكوارث الطبيعية في بوادي غرب السودان كما ارتبط أيضا بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها ودحامد في العقود الأخيرة . وقد أدى تغيير أنماط الإنتاج الزراعي واتجاه المزارعين آلي زراعة المحاصيل النقدية بدلا عن المحاصيل التقليدية القديمة آلي الحاجة الملحة آلي وجود عمالة موسمية كثيفة وماهرة كما آن انتشار التعليم والمدنية قد القى بظلاله ايضا على عزوف شريحة عريضة من فئة الشباب على العمل مع ذويهم في المزارع بينما كانوا في السابق يشكلون نسبة كبيرة جدا من العمالة أي آن هنالك عملية إحلال للعمالة التقليدية قد تمت بطريقة كثيفة . وهذه العمالة تكاد تكون موجودة اغلب أجزاء السنة كما آن هنالك أيضا عمال قطاع البناء وهم غالبا من وافدي جنوب السودان الذين جذبتهم المنطقة نسبة للنزعة الواضحة آلي بناء المنازل والمصالح الحكومية بالطريقة الحديثة وهؤلاء ايضا موجودين اغلب فترات السنة او بصورة دائمة ولعل ما يميزهم أيضا وجودهم داخل الأحياء في منازل مستأجرة أو غير مأهولة .

  الطائفة الثانية هي طائفة موظفي الحكومة وغني عن القول آن التحولات السريعة التي شهدتها المنطقة على كافة الأصعدة  قد نبهت مسئولي الدولة بأن هنالك مدينة ريفية تنمو وتتطور بصورة صاروخية وغير مسبوقة ومؤثرة جدا في كافة المجالات وخاصة السياسية فكان آن تم تزويدها بكل الخدمات والمرافق الحكومية الموجودة في العاصمة نفسها وقد أدى هذا آلي نشؤ عنصر جديد كان في السابق قاصرا على معلمي المدارس الابتدائية واصبح اليوم يضم عشرات الموظفين في المدارس بمختلف مراحلها والمحاكم والشرطة والمصالح الأخرى مثل البنك والاتصالات والخدمات الصحية والبيطرية والزراعية وكل هذا آلي تعاظم وجود هذه الشريحة بصورة دائمة على مسرح الحياة في ودحامد وخلق عنصرا سكانيا جديدا لم يكن موجودا من قبل .

         ويجدر بنا القول ختاما آن كل هذه التحولات التي أدت التي تغيير واضح في التركيبة السكانية والتي بالضرورة قد أفضت آلي الاسراع بإقصاء الشكل الريفي القديم وقيام مدينة صغيرة  فيها كل ما يميز المدن وقرية كبيرة تمارس فيها كل الطقوس الريفية في الحياة اليومية ولعل هذا من أهم ما يميز وحامد ، وليس من السهل التكهن بما سيحدث في ودحامد في الأعوام المقبلة لكن نرفع أيادينا وأصواتنا آن يتم احتواء كل السلبيات التي قد تصاحب عملية التطور والتقدم مع ضرورة الاهتمام بالتخطيط العمراني السليم والذي هو أساس كل بيئة اجتماعية سليمة ومتحضرة . 


عبدالله ادريس محمد
جدة / المملكة العربية السعودية


 

 

wad_hamid@hotmail.com

 

Designed by:Kamal  Osman ©2003